Text Size
الخميس, Aug 11, 2022

لندن - د. أحمد الزين - باحث من لبنان – الاثنين 16-08-2021:

يهلّ شهر محرم الحرام هذا العام والعالم يعيش في أسوء الظروف الصحية بسبب تفشي وباء كورونا، وأدمى الكوارث الطبيعية من حرائق وبراكين وفيضانات، واصعب الازمات المالية والاقتصادية، وأثقل الويلات الاجتماعية والانسانية، وامتداد الحروب الامنية والعسكرية والاقتصادية، وأشتداد المعاناة والآلام البشرية..

على سبيل المثال لا الحصر: حصول فيضانات في اوروبا وبريطانيا، وانهيار مبانٍ جراء الفيضانات بالمانيا تتسبب بأسوأ كارثة تعيشها منذ الحرب العالمية الثانية بمقتل وفقدان نحو 1400 شخصأ.. ضرب زلزال مدمر دولة هايتي في البحر الكاريبي موديا بحياة 304 أشخاص.. أكبر حريق هائل في ولاية أوريغون بامريكا وحرائق الغابات والاشجار في لبنان وسوريا والجزائر وتركيا واليونان تسفر عن سقوط مئات الضحايا.. موجات الحر وصواعق البرق في كندا وامريكا واوروبا تسجل مئات من حالات الوفاة المفاجئة.. استمرار الحرب الامريكية السعودية الاماراتية على اليمن تحصد الآلاف الضحايا معظمهم أطفال ونساء.. تداعيات الحرب في أفعانستان بين طالبان والحكومة المتحالفة مع أمريكا تخلف الالاف من القتلى والجرحى، وإنسحاب القوات الامريكية وسقوط عاصمتها كابول والسلطة بايدي طالبان تؤدي الى الفوضى والقتل ثم الاعتداء على أتباع أهل البيت (ع) في مزار شريف ومزّقت أعلام الحسين ورايات عاشوراء، وكذلك فعلت أنظمة الخليج المطبعة وبالاخص نظام البحرين بازالة كل ما يمت بصلة الى الشعائر الحسينية بتعدي صريح على حرية المعتقد والرأي والتعبير، والعودة الى تكفير المسلمين الشيعة، ودعم الإرهاب من قبل النظام السعودي الوهابي وحركة طالبان.. انفجار صهريج وقود في عكار شمال لبنان يؤدي الى اكثر من 28 ضحية وعشرات المصابين والمفقودين.. عقوبات الدول الغربية الكبرى وحصار الشعوب وما نتج عنها من إنتشار الفقر والغلاء والجوع والفوضى.. مأساة الشعب الفلسطيني المستمرة وتعرضهم يوميا للقتل والابادة على أيدي الكيان الصهيوني المحتل..

لذا، يأتي هذه الشهر الحرام وهو مثقل بالكوارث والحوادث والحروب والجرائم والدمار، وكأنه يستوقفنا لان نعيد النظر في عقائدنا وافكارنا ومواقفنا، والسؤال الملح ما هي علة هذه اللعنات والغضب على البشرية؟ ولماذا هذه الحجيم والعذاب الذي تعيشه الشعوب كافة رغم أمتلاكها امكانيات القوة والتطور؟ الجواب ببساطة هو العقاب الإلهي!! لأن الله يأمر عباده بالطاعة فلا يطاع، ينهاهم عن الظلم والطغيان والأثم والعدوان فلا احد يرتدع، يدعوهم لاجتناب الجبت الطاغوت فيجدهم قوما طاغين فاسدين، يوعظهم بالعدل والميزان والبرّ والإحسان فلا يجد منهم آذانا صاغية، والله يقول: {.. وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ..} (النساء-٦٦)، والسبب لو أن الامّة استقامت وصدقت وآمنت لرفع عنها البأساء والضراء والوباء والبلاء.. فقد قل الوعاة والطعاة وحكم الطغاة والبغاة، قل الراكعون الساجدون وكثر الفاسدون المفسدون، قل المقيمون الصلاة والصائمون وبغى الظالمون الجائرون، قل المؤتون الزكاة والمنفقون وعاث المرابون والمنافقون، قل المتقون الموحدون وضلّ المشركون والملحدون، قل المنصفون المقسطون وجار القاسطون والفاسقون، قل العابدون الراحمون وابتغى الكافرون الفاجرون، قل المخلصون المستقيمون وطغى المجرمون والمثليون.. والله يقول: {.. وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَىٰ} (طه-٨١)، {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا} (طه-١٢٤).

وفي سياق عصيان الله وحاكميته والتمرد على أوامر رسوله محمد (ص) وأنكار ولاية أهل بيته (ع)، تأتي مصيبة الامام الحسين (ع) ومظلومينه في هذه الشهر الحزين، التي شكلت منعطفا خطيرا في تاريخ الامة التي تخلت عن مفاهيمها الدينية وتجردت من قيمها الاخلاقية ومبادئها الانسانية، وانتهكت حرمة الإسلام، واستحلت محارم رسول الله (ص)، وظلمت أهل بيته وروعت نسائهم، وقتلت سبطه الإمام الحسين (ع)، وقطعت رأسه الشريف، ومارست أقسى أنواع الظلم والعدوان والاعتداء.. وأبشع صور القتل والوحشية وحرق الخيام.. واعادت التاريخ الى الوراء الى زمن الجاهلية وعاداتها من الغزوات والسبي ونهب الغنائم والجهل والتخلف والقتل وسفك الدماء وانتهاك الحرمات والكرامات..

من رحم هذه المظلمات ومن سخم لعنة التاريخ، تأتي ذكرى عاشوراء في العاشر من محرم في كل عام حيث تتوهج حرارة حبّ الحسين في قلوب المؤمنين وتتفاعل العاطفة الوجدانية والمخيلة الانسانية في إستحضار مشاهد البطولة والآباء والمواقف التاريخية وملاحم الإستشهاد والتضحيات التي قدمها أهل البصائر من أهل بيته (ع) وأصحابه الابرار في واقعة كربلاء التي حدثت نتيجة تراكمات وممارسات خاطئة لحكام بني أمية من حبّ السلطة والمال والفساد والطغيان والجهل بأحكام الإسلام وما تبع ذلك من إنحلال إخلاقي وإنحراف الامة عن مسار الإيمان والقيم الاخلاقية والإنسانية الذي رسمه لهم النبي محمد (ص) فكادوا يسقُطُون فِي مهاوي الكُفر والانحراف والضَّلال.. لولا قيام الإمام الحسين (ع) بنهضته المباركة وتصدى لهذا الإعوجاج في العقيدة والأفكار المضللة والتشكيك وهذا السقوط المدوي لحكام الامة وعلمائها ورجالها ليعيدهم الى رشدهم وصوابهم ويهديهم الى طريق الحق والرشاد، ويقوّم مسارهم الى الطريق المستقيم طريق النور والهداية والإيمان والتقوى والورع والقيم والمثل والاخلاق.. وبالتالي ليحفظ رسالة الإسلام من الدسّ والتحريف والمسّ والانحراف والدنس والرجس..

يتميّز الامام الحسين (ع) بارتباط خاص بالله تعالى بسبب انه إمام معصوم ثائر، نافذ البصيرة، وله معاجزٌ وكراماتٌ كثيرةٌ سجَّلَتْها كتبُ التاريخ، بدليل خلود نهضته وثورته على مرّ السنين والقرون وعبر التاريخ المدون. نهضة الحسين (ع) تمثل مدرسة ثورية تعلم الاجيال تلو الاجيال دروس الوفاء والآباء، والعطاء والفداء، والجهاد والتضحية والإيثار والاستشهاد في سبيل الله لإحياء الدين والقيم.. وهي مناسبة مقدسة تتجدد وتنتشر وتتعاظم كل عام حيث تستبطن في باطنيتها أفكار حضارية وثقافة إنسانية واستدلالات واقعية تُستلهم منها عُـبـر ودروس بليغة عن مفهوم الصراع بين الحق والباطل، والنزاع بين الخير والشرّ، والمعركة بين العدل والظلم، والاختيار بين الجنّة والنار..

لقد جسّد الامام الحسين (ع) بإستشهاده ارقى معاني الإيثار والتضحية واسمى آيات البذل والجود والفداء والقيم الانسانية الراقية.. كما احيى بنهضته السنّة الالهية العظيمة وعقيدة الثبات والجهاد (هيهات منا الذلة)، وهي مجاهدة الظالمين ومقارعة الطغاة من الحكام الجائرين والساسة الفاسدين ومواجهتهم وقتالهم مهما علا شأنهم وقوتهم وجبروتهم وطغيانهم.. تعظيما للخالق في عبادته وتقديسا لدينه، وتحكيما لشرعه، وتثبيتا لشرائعه واحكامه، وزرعا للمعروف وردعا للمنكر، وتحقيقا للعدل وسحقا للظلم وإنهاءً للفساد.. أمتثالاً لأمر الله تعالى: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ}، و(يَا عِبَادِي إِنّي حَرّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحرَّمًا فَلاَ تَظَالَمُوا) [حديث قدسي].

لذلك إنتماؤنا وارتباطنا وحبّنا للحسين لا يتجسد في البكاء والحزن فقط بل بالاقتداء بإيمانه وجهاده وفكره وأخلاقه وسيرته والسير على خطاه ونهجه الإصلاحي في رفض كل أنواع الظلم والفساد والطغيان والاستبداد والاستبعاد والاضطهاد.. ونستلهم منه الصبر والعزم والعزيمة والاستعداد للتضحية بكل غالٍ ونفيس، والتحرك الفاعل في إصلاح انفسنا وإسرتنا ومجتمعنا وأمتنا.. وتغيير واقع الأمّة المرتهن باشكال النزاعات والخلافات والانقسامات والحروب الى افضل الممكن في الوحدة والتعايش والتمكين والترابط والتكافل والتكاتف.. إمتثالا لامر الله تعالى لقوله: {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ} (التوبة-52)، أي الشهادة في سبيل الله أو النصر لتحقيق هذه الاهداف السامية، وكما قال الحسين (ع): "فوالله ما خرجتُ الا لطلب الاصلاح في أمّة جدي"... "ألا ترون أن الحق لا يعمل به وأن الباطل لا يتناهى عنه.. فإني لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برما". لذا، هذه الثورة الحسينية تمثل أنموذجا حضاريا عالميا ومشروعا رساليا إنسانيا لا تخص المسلمين من اتباع اهل البيت (ع) فقط بل هي قدوة واسوة ورسالة عملية ودرسا ناطقا يحاكي عقول أحرار العالم التواقة للحرية والسلام والتحرر من كل أنواع العبودية في كل زمان ومكان.

فما احوج المظلومون والمعذبون في الارض الى إحياء عقيدة الدين المحمدي الاصيل والفكر الكربلائي التنويري والجهاد القرآني الحسيني كي تقاوم وتثور وثثأر وتنتقم من الظالمين والفاسدين والطغاة والبغاة والغزاة.. وتطبق تطبيقا صادقا لشعار ومفهوم: "كونوا حسينيين مؤمنين" لغاية وقف الفتن والبدع والتكفير والحروب والقتل والمجازر، وإقامة العدل والانصاف والمساواة، وحفظ الامن والامان والسلام في المجتمع الانساني، والارتقاء به الى شرف المجد والعلو والشموخ والقيم العليا.

مجلة أفكار وآراء - العدد الجديد

 

مجلة (أفكار وآراء) - عدد 173 - عن شهر تموز / يوليو 2022


 

مجلة (أفكار وآراء) - عدد 172 - عن شهر حزيران / يونيو 2022


مجلة (أفكار وآراء) - عدد 171 - عن شهر أيار / مايو 2022


 

مجلة (أفكار وآراء) - عدد 170 - عن شهر نيسان / ابريل 2022


 

مجلة (أفكار وآراء) - عدد 169 - عن شهر آذار / مارس 2022


 

مجلة (أفكار وآراء) - عدد 168 - عن شهر شباط / فبراير 2022


 

مجلة (أفكار وآراء) - عدد 167 - عن شهر كانون2 / يناير 2022


 

مجلة (أفكار وآراء) - عدد 166 - عن شهر كانون1 / ديسمبر 2021


 

مجلة (أفكار وآراء) - عدد 165 - عن شهر تشرين2 / نوفمبر 2021


 

مجلة (أفكار وآراء) - عدد 164 - عن شهر تشرين1 / اكتوبر 2021


 

مجلة (أفكار وآراء) - عدد 163 - عن شهر أيلول / سبتمبر 2021


 

مجلة (أفكار وآراء) - عدد 162 - عن شهر آب / أغسطس 2021


 

مجلة (أفكار وآراء) - عدد 161 - عن شهر تموز / يوليو 2021


 

مجلة (أفكار وآراء) - عدد 160 - عن شهر حزيران / يونيو 2021


 

مجلة (أفكار وآراء) - عدد 159 - عن شهر أيار / مايو 2021


 

مجلة (أفكار وآراء) - عدد 158 - عن شهر نيسان / ابريل 2021


 

مجلة (أفكار وآراء) - عدد 157 - عن شهر آذار / مارس 2021


 

مجلة (أفكار وآراء) - عدد 156 - عن شهر شباط / فبراير 2021