فضل ضاهر – 02 شباط / فبراير 2017 -

إنّ جدلية العلاقة بين تولّي السلطة، أيّ سلطة، والسلوكيات المرتبطة بها، غالباً ما تترجم في معظم المجتمعات استئثاراً وتمتّعاً بامتيازاتها ممَّن يُفترض بهم استخدامها لخدمة المجتمع وليس لخدمة مصالحهم الشخصية .

 

 

من هنا برزت الحاجة إلى ضوابط متشددة وصارمة تتمثّل عموماً بهيئات المراقبة والتفتيش التي يشهد الجميع على فداحة ما أصابها في بلدنا من تهميش متعمّد إلى حدود الشلل شبه التام. وقياساً على المثل الشعبي «يا عنتر مين عَنترَك؟...» يصحّ القول عندنا: «يا فاسد مين أفسَدك؟ فسدت وأفسدت وما من أحد حاسبني».

العديد من الدول الجادّة في مكافحة هذا الوباء أوجَدت محاكم خاصة بمكافحة الفساد صلاحياتها ودرجاتها إستثنائية وكذلك ارتباطها بأعلى سلطة في البلاد من خارج أيّ تنظيم عضوي مقيّد لإجراءاتها، وذلك على قاعدة أنّ نُبل الغاية يُبرّر الوسيلة.

دول أخرى أخضعت كلّ أجهزة الرقابة والتفتيش القطاعية إلى هيئة إشراف عليا مرتبطة مباشرة برئيس البلاد مهمّتها توحيد المعايير ورسم الآليات التنفيذية وتفعيلها، وتحقيق أدواتها التشريعية ووسائلها المادية والبشرية، مع صلاحية متابعة وتقويم الإجراءات المنفذة لضمان أفضل النتائج.

وفي الحالين، فإنّ اشتراط حسن اختيار المدعوين لتوَلّي المواقع المطلوبة يكاد يكون المطلب الوحيد المتوجّب تَوافره. فمِن موقع التصارح في سبيل الإصلاح والتطوير، ولا سيما وقد أخجل كل مواطن صالح في هذا البلد ما خلص اليه التقرير السنوي لمنظمة الشفافية الدولية حول نتائج مؤشر مدركات الفساد لعام 2016، من تصنيف للبنان ضمن الدول الأكثر فساداً حول العالم، يتساءل المرء بداهة ما إذا كان استحداث وزارة لشؤون الفساد هو الحل الأمثل لاستئصال هذا المرض المتغلغل في ثقافتنا وفي مداركنا وسلوكياتنا الواعية وغير الواعية.

واستطراداً، أفلم يكن من الأفضل والأسهل والأقل تكلفة لخزينة الدولة، إنشاء هيئة وطنية عليا ذات استقلالية وصلاحيات وزارية على غرار بعض المجالس الأخرى، مرتبطة مباشرة إمّا بالرئاسة الأولى من باب الأهمية والتفعيل، وإمّا برئاسة مجلس الوزارء مع إمكانية استصدار الفتوى الملائمة لإبقاء الوزير الحالي رئيساً لها معيّناً برتبة وزير، لا سيما أننا على رغم الثقة بحسن اختياره في ضوء مواقفه وآرائه المعلنة في وسائل الأعلام، لعلى يقين بأنّ عمر الحكومة الحالية بأكمله، ومع افتراض التمديد التقني فيما لو أنجز القانون الإنتخابي المأمول، لن يكون كافياً لإيجاد الأدوات التشريعية والإجرائية التي تسمح للوزارة بتنفيذ أيّ من وعود الوزير وتعهداته.

يكفينا الى ذلك دليلاً المخاض العسير لقانون سلامة الغذاء، ناهيكم عن الثلاثة وثلاثين قانوناً غير المنفذه بانتظار اتفاق الوزراء المعنيين بمراسيمها التنظيمية على نحو ما ورد في تقارير الدوائر المعنية لمجلس النواب، وما ذلك بالطبع إلّا بسبب تنازع الصلاحيات، إن لم نقل تضارب المصالح الفئوية الضيقة على حساب مصلحة الوطن والمواطن.

الجمهورية