فراس عزيز ديب – 14/03/2012 -  

    عندما أطلق الحاكم بمشيئة الإرادة الأميركية في مستعمرة قطر أواخر العام المنصرم تصريحاته حول أهمية الوهابية كفكر وعقيدة والحض على ضرورة نشرها في العالم الإسلامي لكي نستنير بها وذلك أثناء افتتاحه لجامع محمد بن عبد الوهاب الذي يعتبر الأكبر في قطر تساءل البعض عن مغزى هذا التصريح؟

 

فالبعض ربط الأمر بتوجيه تحد علني لإيران والبعض الآخر ربط الأمر بأن يكون تحدياً لمملكة تقطيع الرؤوس بما تتبنى ولكن غاب عن ذهن أغلب المحللين أن أشباه الرجال لا تُطلق تصريحات وإنما يُطلب إليها أن تُصرِّح وكذلك الأمر فإن أشباه الرجال لا تتحدى وإنما هي واجهة لتحد أكبر لا تلعب فيه إلا دور الكومبارس والأهم أن البعض ربما كان يخطئ الحساب عندما كان يظن أن قطر هي رأس الحربة في الحرب على سورية محاولاً قدر الإمكان النأي بمملكة تقطيع الرؤوس عما يجري في سورية من تآمر على شعبها وأمنها. البعض ربما كانت لديه حساباته الخاصة عندما كان يحاول عبثاً أن يقنعنا أن المملكة بدأت ترسل موفدين ورسائل من تحت الطاولة وما إلى ذلك وأنها باتت متخوفة من الدور القطري المتصاعد في المنطقة الذي يسعى لاستهداف دور المملكة ونفوذها ونسي هؤلاء أن الشيطان الأكبر عندما يقوم بتوزيع الأدوار لأذنابه فإنه يعطي الحجم والدور معاً وهل يجرؤ أحد منهم أن يحيد عنه أو يتجاوز ما هو مرسوم له؟

    أما البعض الآخر فكان يصدع رؤوسنا يومياً بأن هناك صراع أجنحة في المملكة وأن الملك مغيَّب ومن هذا الكلام الذي لا يمكنه أن يقنع مواطناً سورياً واحداً ولذلك نحن نتفق مع الرأي القائل إن هناك صراع أجنحة في المملكة ولكن هذه الأجنحة تتصارع على من سيكون الخادم الأميركي الأكثر دونية ومن القادر بين هذه الأجنحة المتصارعة أن يقدم أوراق اعتماده بطريقة أفضل للراعي الأميركي و(الإسرائيلي)؟ أجل إن الصراع هو صراع من الأشطر بممارسة القوادة السياسية عند الراعي الأميركي (الإسرائيلي  ).

    أما أن الملك مغيَّب فإننا نقول ومتى كان هذا الملك حاضراً؟ وهل تصدقون مثلا أن الملك هو من أبدع بحنكته (التي تشبه تماماً حنكة وزير الخارجية الإماراتي) المبادرة العربية للسلام أم إنه نام واستيقظ فقرر الدعوة لمؤتمر الأديان ليجلس صاغراً مصغياً إلى رئيس الكيان الصهيوني وهو يحاضر بنا في التسامح والأخلاق الحميدة  .

    من هنا يجب علينا أن ننظر إلى الأمر من باب توزيع الأدوار أي إن الدور القطري كان في الواجهة لأن أحداً لم يشأ أن يُظهر الدور السعودي نظراً لحسابات معقدة أهمها البعد الإيراني وثانياً البعد الوهابي والاهم أن مملكة تمثل نموذجاً لتحالف العائلة الحاكمة مع رجال الدين أي كما كان الحال في أوروبا منذ أكثر من 700 عام كيف لها أن تتدخل باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان حتى إن هذا الأمر قد يتسبب بالإحراج لبعض الدول الغربية أمام شعوبها، ولكن مع صمود سورية بثالوثها الأقدس (شعب وجيش وقائد) بدأ الدور السعودي يخرج للعلن مُكرَهاً وهو تجسد بأمرين أساسيين الأول عبر استنهاض كل من يستطيع أن يصدر فتوى شرعية تستبيح الدم السوري من شيوخ البكائيات على المنابر والأمر الثاني هو الدعوة الصريحة لتسليح المعارضة السورية  .

    (اوكازيون) فتاوى قتل الشعب السوري

    منذ أن أطلق شيخ الفتنة الأول يوسف القرضاوي دعوات قتل الشعب السوري في بداية الأحداث ثم تبعه صاحب فتوى إرضاع الكبير وخادم عرش آل سعود صالح اللحيدان بفتوى جواز قتل الثلث ليحيا الثلثان لا يكاد يمر يوم ليس فيه فتوى أو دعوة للتحريض على القتل في سورية والأهم هي الوعود التي يغدقها شيوخ الفتن على الرعاع الذين يُصغون إليهم بجنان الخلد تارةً وحوريات القرضاوي تارةً أخرى وهذا ثمنه شيء واحد فقط (اذهب وجاهد في سورية) من هنا حمل شيوخ الوهابية ومن لفَّ لفَّهم في حلهم وترحالهم دعوات قتل الشعب السوري من عائض القرني إلى سليمان العودة الذي لم ير في فتواه الوضيعة أي تعارض بين سلمية الثورة ووجود الجيش السوري الحر وتزويده بالسلاح، أما شيخ الفتنة الآخر محمد حسان الذي بإمكاني أن أتنبأ منذ الآن أنه سيكون النسخة المعدلة عن القرضاوي (الذي نفى امتلاكه لسيارة فارهة أو لثروة تقدر بمليوني دولار علماً أن البعض واجه هذا الشيخ أنه لو باع قصراً من قصوره لاستغنت مصر عن المعونة الأميركية عاماً كاملاً)، فهو قال شارحاً فتواه بجواز قتل الشعب السوري مستنداً إلى الحديث الشريف أن رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم قال: (اثنتان يعجلهما اللـه في الدنيا قبل الآخرة البغي وعقوق الوالدين  ).

    وهنا نسأل هذا الشيخ إذا كنت استندت في الشطر الأول من الحديث إلى صور وأحداث ليست موثقة وليس فيها بينة وإن كنت تحكم بالغيب لأنك تسمع ولم تر الحقيقة بأم العين وصاحب الفتوى يجب أن يكون على اطلاع بكل المجريات وبطريق محسوسة وأن يستمع لكلا الطرفين وهذا أضعف الإيمان لا أن يفتي من خلال ما يبثه طرف من أكاذيب وأضاليل ولكن يحق لنا هنا أن نسأل الشيخ ما رأيك بالشطر الثاني من هذا الحديث الذي هو واضح ومثبت وموثق؟ هل نتوقع مثلا أن اللـه سبحانه وتعالى سيظهر لنا حكمته بمن عقّ أبويه وأذلّهما وأخرجهما من السلطة إرضاء لطموحات من كانت تحلم يوماً أن تصبح أميرة؟ أليس من الكفر أن نرى في أحاديث الرسول صلى اللـه عليه وسلم ما يعجبنا فقط؟

    وبالأمس القريب أيضاً خرجت في مصر فتوى رسمية مما يسمى (الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح) التي أعلنت رسمياً جواز قتل القيادة السورية ومن يواليها لكن الأمر لم يقتصر أبداً على دعوات قتل الشعب السوري بل كان الأمر يتطلب تقديم المغريات للشباب المتطرف من أجل الذهاب إلى سورية والجهاد فيها وللغرابة فإن دعوات الجهاد الوهابية لا تقترب من الكيان الصهيوني أبداً من هنا نلاحظ أنه وفي كل يوم جمعة يسعى شيوخ الوهابية بإيعاز من آل سعود لاستنهاض الهمم إن كان بالبكائيات على المنابر أو بخطب تتكلم عن انتهاك لحرمات المساجد وحرق للمصاحف وعن اغتصاب وما شابه للمسلمات والأهم هو ما يورده شيوخ الفتن من أحاديث ومنه مثلاً حديث الرسول صلى اللـه عليه وسلم لعبد اللـه بن حوالة عندما قال: «سيصير الأمر إلى أن تكونوا جنوداً مجندة جند بالشام وجند باليمن وجند بالعراق عليكم بالشام فإنها خيرة اللـه من أرضه يجتبي إليها خيرته من عباده فإن أبيتم فعليكم يمنكم  ».

    علماً أن الحديث واضح أنه يتحدث عن الإيمان والخير الذي سيكون موجوداً في الشام وأن الشام هي آخر معاقل الخير ومن ثم كيف لهم أن يأتوا ليقتلوا أبناء هذه المنطقة التي اصطفاها الرسول الأعظم صلى اللـه عليه وسلم طبعاً هنا لا داعي أن نقول إنهم فسروا كلام الرسول صلى اللـه عليه وسلم على مزاجهم لأن الأمر ليس بجديد فمن فسّر القرآن الكريم بما يناسب طموحاته الشيطانية فلن يصعب عليه أبداً التلاعب بكلام رسول اللـه لأنهم أولياء الباطل إن الباطل كان زهوقاً  .

    إذاً يحاول شيوخ الوهابية من خلال هذا الحديث دفع العدد الأكبر من الشباب للذهاب إلى سورية والجهاد على أرضها والتورط بدماء أبنائها الشرفاء للحصول على حوريات الشيخ القرضاوي والمضحك أن كل شيخ منهم وهو يذرف الدمع يقول للرعاع الذين يصغون لبلاهته (والله لو أني أتمكن من الذهاب لذهبت) وهنا نسأل هؤلاء التجار بمرتبة رجال دين لماذا لا تتمكن من الذهاب؟ وكيف تدعو الشبان للذهاب إن كنت لا تعرف كيف سيذهبون؟ ولماذا لا تقتدي بمن وصل قبلك وجاهد وفطس تحت أقدام جيشنا الباسل؟ وهذه الدعوات تفسر وبشكل واضح ما تتحدث عنه المصادر السورية عن اعتقال أعداد كبيرة من الجنسيات العربية والإسلامية في سورية كذلك هناك أعداد كبيرة منهم قتلوا في مناطق مختلفة من سورية  .

    باختصار يبدو أن السعي إلى إفشاء الفكر الوهابي جار فالمملكة الوهابية تمول نحو 80? من الجمعيات والشبكات الدينية غير الرسمية في جميع أنحاء العالم، والأهداف واضحة  :

    الأول محاولة مملكة تقطيع الرؤوس أن تسحب شعوب المنطقة بالكامل إلى حالتها المتخلفة بسبب عدم قدرة ممالك الخليج على التطور لتصبح ضمن السياق الحضاري للبشرية لأن هذا سيعني فوراً زوال تلك الطُّغم الحاكمة إذ لا عاقل في العالم يقبل أن يظلَّ في مملكة اسمها على اسم العائلة الحاكمة (بات واجباً علينا أن نحذف اسم السعودية ونعيد إليه اسمه المحبب لقلوبنا كمسلمين وهو الحجاز المحتل لأن مثله مثل القدس الشريف فكلاهما محتل  ).

    الثاني فهو خلق حالة من الاحتقان المذهبي والديني تساعد المملكة في حربها المحتملة على إيران وخصوصاً بعد أن أرست إيران معادلة جديدة في المنطقة أن أمن سورية مقابل أمن الخليج بالكامل  .

    وهذا الكلام أكده الكاتب الفرنسي المعروف فيليب توريل في مجلة (أفريك أسي) الفرنسية جاء فيه: إن قطر والسعودية تعملان على استغلال المذهب الوهابي لتحقيق نفوذ سياسي لهما في العالم العربي، وقال: إن ممارسة الإرهاب في سورية تمت بدفع وتمويل من القطريين والسعوديين الساعين إلى استغلال الأحداث فيها عبر الوهابية لكسب النفوذ السياسي  .

    دعوات التسليح باتت علنية

    بكل المقاييس عندما تعلن حرباً سرية على بلد ما أو نظام حكم ما فإنك تحاول قدر الإمكان إخفاء تورطك في هذه الأزمة حفاظا على خط الرجعة وكلما تورطت أكثر وظهر التورط للعلن أكثر فهذا يعني أنك تمر بمراحل الفشل، من هنا باتت دعوات آل سعود من أجل تسليح المعارضة السورية علنية، على الرغم من أن هذه الدعوة لاقت فشلاً ذريعاً بتسويقها عالمياً فالولايات المتحدة رفضتها بحجج متخبِّطة كأن تقول مثلاً إنها لا تعلم لمن ستصل هذه الأسلحة علماً أن كلينتون ذاتها طلبت يوماً من الذين سمتهم ثواراً في سورية عدم تسليم أسلحتهم والأهم أن هذا يتوافق مع ما طالب به يوماً أحد أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي عندما طالب بالتوقف عن دعم المعارضة السورية (لأننا نجهل تماماً إن كان هذا الدعم سيصل ليد أعداء إسرائيل).

    وكذلك الأمر فإن فرنسا لا تبدو مقتنعة بالأمر وأصلاً يمكننا القول إن فرنسا باتت نظرياً خارج حسابات اللعبة الدولية حتى انتهاء الانتخابات الرئاسية فيها ولأن المستعربين لا يتقنون فن الهزيمة ولأنهم حتى الآن يعيشون هاجس الانتقام لحرب داحس والغبراء فإن المملكة قررت السير بذلك وحيدة ربما ولكن دون أن يكون هناك رفضٌ أميركيٌ بالمطلق علماً أن الكثير من التحليلات رأت بدعوة آل سعود لتسليح المعارضة السورية نوعاً من الهروب للأمام فمثلا مارتن بيرتزفي «ذا ناشيونال ريبا بليك» وصف دعوات آل سعود بالجبن مضيفاً:

    «الرياض تخزّن الصواريخ منذ عقود ولم تقم سوى بالادعاء بدعم الديمقراطية.. على حين العبودية هي القاسم المشترك الوحيد الذي يدل على المساواة بين الجنسين في المملكة» مؤكداً أن الولايات المتحدة لن تسير في الأمر وكذلك فإن فرنسا ليست قادرة أبداً أن تكرر التجربة الليبية على حين ستبقى مملكة تقطيع الرؤوس تجتر المبادرات العربية هروباً من إخفاقاتها المتكررة في الملف السوري.

    هذا الأمر أيضاً تكلم عنه المحلل الأميركي جوناثان شانزر في صحيفة «كريستيان ساينس مونيتور» عندما اعتبر أن القيادة في المملكة تسعى لاستغلال الأحداث في سورية من أجل تحقيق النقاط في صراعها المذهبي مع إيران فهم خسروا العراق ويحاولون الآن التعويض في سورية والأهم حسب شانزر أن المملكة ستسعى من خلال تسليح المعارضة إلى ضمان استمرار المعركة مع القوات السورية عبر ميليشيات موالية لها مؤكداً أن تزويد المعارضة بالسلاح سيكون منطلقا من أبعاد مذهبية وليست حرصا على الشعب السوري معتبرا أن (سورية هي البلد الأكثر حاجة في الشرق الأوسط لأن تكون ثورته سلمية، بسبب قلق الأقليات المسيحية والعلوية والكردية).

    من هنا يبدو أن الطريق الوحيد المتاح أمام آل سعود هو استمرار محاولات التهريب عبر لبنان وهذا ربما يفسر إعادة تعويم سعد الحريري من جديد بعد أن أصبح (نائب التويتر) وذلك من خلال قيام الملك شخصياً بدعمه بمبلغ ملياري دولار بحجة انتشاله من أزمته المالية أي إن هناك أمراً ما أو دوراً يُرسم لسعد الحريري بما يمثل في المرحلة القادمة، من ثم ربما هناك أمر ما يخطط داخل لبنان قد يكون شرارة أولى لتذهب مملكة تقطيع الرؤوس إلى مغامراتها الأخيرة قبل أن نعلن تحرير الحجاز من الاحتلال السعودي بإذن اللـه ومن هنا حتى يتم ذلك هي دعوة لكل من يمكن أن يراهن يوماً على المملكة أو قياداتها أو صراع أجنحتها وما شابه أن يتذكر هذا القول لجوناثان شانزر قال فيه:

    (يعلمنا التاريخ درساً أن لا أحد سيكون أخطر من- السعودية-).