Text Size
الأربعاء, Jun 23, 2021

لندن - د. أحمد الزين – باحث في الشأن السياسي من لبنان - السبت 05-06-2021: :

في ذكرى ولادة إمام الوطن والمقاومة السيد موسى الصدر في 4 حزيران/ يونيو 1928، أقف إجلالا خضوعا وذلولا تواضعا أمام هذه القامة الفذة وهذا القائد العظيم الذي ورث علم وأخلاق أجداده النبي محمد (ص) وأهل بيته (ع)، وجاهد وثار كجّده الحسين (ع) على الظلم والجور والحرمان، وكان قدوة للثاثرين والمقاومين والعاملين، ذاع صيته علوا وعزّا في سيرته وحياته، وغلوا ووخزا في تغييبه وغيبته، وعتوا ولغزا في إستشهاده ومماته.

كان الامام الصدر انسانا عطوفا ورجلا استثنائيا أشبه ما فيه من السمات الملكوتية والصفات الربّانية، ذو عقل سائد وفكر رائد متقدم بدرجات على جيل عصره، درس الدين والعلم وتاريخ الامم واستفاد من العبر والتجارب واستنبط المواعظ والحكم، وقرأ الماضي وعاش الحاضر، فأستوعب الواقع، واستشرف المستقبل، وأطلق شعارات الصمود والتصدي وقصار الخطب والكلم.

كان الإمام الصدر عالما دينيا، وسياسيا رساليا، وفيلسوفاعبقريا، ومفكرا داعيا، ومصلحا اجتماعيا، استحق بجدارة ان يكون رجل الإصلاح والنهضة، ورجل الحوار والتعايش، ورجل المقاومة والعروبة، ورجل الصدق والشفافية، ورجل الإخلاص والتفاني.. وكان ناصر المحرومين والمستضعفين الذي ضحى بحياته لخدمتهم ومساعدتهم من اجل إنقاذهم من غياهب الجهل والامية والفقر والحرمان.. فكان بحق مرشدا وواعظا وقدوة وأسوة في القول والعمل، وانموذجا فريدا في حركته الدؤوبة، استحوذ على عقول محبيه ومريديه من الطبقة العاملة المحرومة وشغل قلوبهم حبا وشغفا، وتعلقوا به لانهم وجدوا فيه الامل والمخلص والمنقذ لمعاناتهم الطويلة بعد تغاضي الدولة عن تأمين الحماية لهم وتناست حقوقهم، وتجاهلت آلامهم وما لحق بهم من القهر والاعتداءات والاعتقالات من قبل العدو الصهيوني المحتل لارضهم لسنوات طويلة قبل تحريرها على ايدي المقاومة اللبنانية عام 2000، التي أسسها وزرع بذورها ورعاها، وكان الامام الصدر الاب الروحي لها.

كان الامام الصدر يحمل فكرا ثوريا مقاوما تحرريا، وكا ن ناشطا فاعلا وسياسيا بارزا في دعم القضية الفلسطينية ضد المحتل "الإسرائيلي" الذي اعتبره العدو الوجوديّ للأمّة والوطن، حيث دعا الى مقاومته وطرده، واطلق شعاره الشهير: "إنّ إسرائيل شرّ مطلق". كما دعم الثورة الإيرانية ضد نظام الشاه الظالم آنذاك. وقد نشر الامام الصدر، قبل يوم من تغييبه أو خطفه في 31 أب 1978، مقالته الداعمة للثورة الإيرانية في صحيفة لوموند الفرنسية تحت عنوان "نداء الأنبياء ".

لقد تعامل الامام الصدر مع الدين على انه رسالة سماوية ايمانية جاءت لخدمة الانسان، وتعامل مع السياسة بعقلية اخلاقية انسانية، لا بعقلية تجار السياسة فاطلق شعار رفع الحرمان قائلاً: (نحن لا نعمل سياسة لأجل السياسة، نحن لنا هدف، هدفنا إزالة الحرمان). فاستخدم السياسة وسيلة لردم الهوة بين المواطن والدولة، وكان يعتقد بان الله تعالى يُعبد من خلال خدمة الانسان، وان الوَطَن كيان نهائي لجميع ابنائه، وأيقن قيمة الانسان كضرورة لقيام الدَّولة والحكم، وكل مشاريع السُّلطة والتنمية والانماء والخدمات والوظائف تسخّر لراحته ورفاهيته بعيداً عن العائلة والطَّائِفَة والمذهب والمنطقة. فهو لم يتعامل مع السياسة كغاية لكسب المواقع المتقدمة والمراكز الرفيعة والانتفاعات الشخصية والعائلية، ورغم كلّ الممتلكات والمؤسسات التي أسّسها، وكل الاموال التي جمعها، عاش فقيرًا ورحل فقيرا، ولم يورّث مالاً ولا سلطة لعائلته تأسيا بسيرة أجداده الانبياء والائمة الاطهار عليهم أفضل السلام والصلوات.. وهو رغم أبداعاته واسهاماته وعطاءاته لم يسجِّل أي جمعية أو مؤسّسة او شركة أو أرض باسمه واسم عائلته بعكس واقع الحال بعد غيابه، عندما تحول موقعه وإرثه الى زعامة حكم وسلطة وشهرة ومناصب واموال وشركات وقصور.

لقد مضى السيد موسى الصدر شهيدٌا حيّاٌ في نعيم الجنان، وبقي حيّا فينا بإرثه وخطه ونهجه وتفانيه للإنسان، وحيٌّا ساكنا في وجداننا وضمائرنا وعقولنا وقلوبنا والكيان، وحيٌّا في علمه ومواعظه وخطبه الدينية لتوعيته على الإيمان (والقائل: للإيمان بعدين: بعد نحو السماء وبعد نحو الإنسان)، وحيٌّا ماثلا في مواقفه الانسانية لنصرة المحروم والمغلوب آن، ونبذ الظلم والحرمان لأي طائفة او مذهب كان، حيّا في كل بذرة زرعها لإحياء ثقافة المقاومة ضد المحتل الصهيوني لارضنا مما أثمر عزة وكرامة والنصر والعنفوان (والقائل: الوطن يحفظ بالجهاد والكرامات تحفظ بالشهادة)، حيٌّا مع نهضة المؤسسات التربوية والمهنية والجمعيات الشبابية والنسوية لتكون الدرع والامان، وكل مشاريع الانتاج والتنمية والانماء التي أنعشت المجتمع والإنسان، حيٌّا في ندواته ومحاضراته لتقريب المسافات بين المذاهب والطوائف والبلدان، حيّا في أفكاره النيرة التي بثت روح التعايش والوحدة والمحبة والتسامح والغفران، (والقائل: إنّ المسيحيين هم إخوان لنا في الوطن وفي الإيمان)، حيٌّا في تعاليمه لحبّ الوطن ووحدة أبنائه ولبناء الدولة القادرة العادلة كسائر الاوطان، (والقائل: لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه سيد حرّ)، حيٌّا في سيرته الوطنية الجامعة التي علمتنا معنى المواطنة والتضحية والشهادة للدفاع عن الوطن والانسان والارض والبنيان، (والقائل: السلاح زينة الرجال)، حيّاٌ بخططه واستراتيجيته وسعيه الدؤوب لوحدة العرب والعربان، حيّا في نظرته الإنسانية بان المسلمين والمسيحيين سيّان، رعايا واقوام جيران واخوان..(كما قال الإمام علي (ع): "الناس صنفان: إمّا أخٌ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق").. حيّا في حركته وإندفاعه الدائم للذود عن القدس الشريف وحماسه ودعمه للقضية الفلسطينية والبيان: بان عيشنا دون القدس موتٌ وذلّ وهوان.. ونهاية "إسرائيل" حتما الى زوال وذوبان.

فالسّلام عليك سيدي وإمامي يوم ولدت، ويوم عشت، ويوم أسست، ويوم استشهدت ويوم تبعث حيّا..

 

محل بوابة لبنان

محلات بوابة لبنان

مطعم بربر

مطعم بربر

مطعم لبنان

مطعم لبنان

ألف مبروك

مطعم علوية

مطعم علوية

كاراج ام او تي

كاراج ام او تي