Text Size
السبت, Apr 21, 2018

لندن - د. احمد الزين – مقال إفتتاحية مجلة (أفكار وآراء) – عدد 120 - الصادرة عن الجمعية الثقافية اللبنانية في بريطانيا - 31-01-2018 :

من اوجه التحضر دارسة ثقافات الشعوب وقوانينها وإنظمتها، والاستفادة من نتاج التجارب وسبل البراغماتية، والاخذ بكل جميل وترك كل قبيح!!


وعليه، استطاع المجتمع الغربي ان يتطور ويتفوّق علميا  واجتماعيا وإنسانيا.. ومن البديهي ان يتطور المغتربون ليكونوا اكثر تفهما ووعيا وتطبيقا لمفهوم التحضر والتمدن واحترام النظام والقانون والترفع عن صغائر الامور، وان يكونوا اكثر تطورا عقليا ومنطقيا وعلميا وعمليا في الاندماج في حياة المجتمع الانساني والتعايش مع مكوناته المتنوعة، وإحترام حرية الاعتقاد والرأي والتعبير السائدة، وكرامة الانسان والحريات.. وبالمقارنة الموضوعية بينهم وبين المقيمين في الوطن الام، تتوضح صورة الفروقات الواسعة في نمط تفكير  ومستوى التطور وسبل مقاربة المواضيع السياسية والاجتماعية والانسانية وغيرها..

ومن المفارقات في المجتمع اللبناني أن ينحصر  مفهوم التحضر والتمدن في ثقافة الموضة وملكات الجمال ومباريات الكرة، وثقافة السينما والافلام  وغيرها.. ويغيب عنه مرتكزات التطور والحداثة في النظم السياسية الغربية، ودراسة أسبابه وأسسه..

وأغلب هذه الاسس هي التداول السلمي للسلطة، وإعتماد قوة القانون والنظام والقضاء المستقل غير المسيس، وقوة كفاءة الفرد ”اولا“ على مبدأ (قيمة المرء ما يحسنه بغض النظر عن دينه ولونه وجنسه وعرقه..)، والعمل بمعايير نظافة البيئة وسلامة الوطن ”اولا“، وتأمين خدمات المواطن ”اولا، ومعيار انتخاب المسؤول او السياسي على نظافة الكفّ والنزاهة وانتاجية العمل، وتحقيق المساواة والعدالة بين جميع الافراد بلا استثناء، وإعتبار الوطن أكبر من الجميع، مهما تولى الفرد من مناصب وعلا شأنه يبقى مواطن تحت القانون والقضاء، وحدود ”الخط الاحمر“ هو القانون، ومظلة “صمام الأمان“ هو القضاء..

ومن نتائج تجاهل هذه الاسس الحضارية، أفرز المجتمع اللبناني طوائف ومذاهب وزعماء طائفية فرعونية وقيادات وراثية عائلية، واحزاب متسلطة بحواضن مذهبية عماة، يسيقون غنم رعاة، وشعب ضعيف حفاة مبرمج على تأليه ”الزعمات-أنصاف ألهة“ وظيفته حرس لهم وحماة.. وهذه ما فرعن الزعمات ان يكونوا للخطاب الطائفي والمذهبي رواة، وللغة الزقاق والشوارع وقطع الطرقات نعاة.. وهذا ما ادى الى خلق من الازمة ازمات.. والدليل ازمة ”باسيل-بري نموذجا“ التي فتحت باب المواجهات والتهديد وتعظيم الامور بوصف الزعامات ”بلطجي“ او طغاة، وتسللت من خلالها الفتنة والفرقة وهم ليس لها وعاة!!

أين مقامات الزعمات!! من مقامات وكرامات النبي محمد (ص) والسيد عيسى المسيح (ع) عندما هُوجما  جسديا ولفظيا شنيعا!! فقابلا ذلك بالتسامح والغفران والصفح والنسيان. والدليل عند فتح مكة قال النبي محمد (ص) للكفار: ( اذهبوا فأنتم الطلقاء) وهل طلب النبي محمد (ص) الثأر أو القصاص أو الاعتذار؟  وقد شرّع  الله تعالى قصاص المماثلة لعباده في  القرآن:{..وَالْعَيْنَ بالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنّ}ِ ﴿٤٥ المائدة﴾. وأمر بالعدل والمساواة بين الناس، والتسامح من شيم الاقوياء، او قصاص الكلمة بالكلمة او اللجوء الى القضاء وليس ترعيب العباد وتخريب البلاد وإراقة الدماء..

كيف يبنى وطن اذا أزمة ”كلمة“ جعلته يهتز باحزابه ونوابه وشعبه في الصالونات جدلا وبنشرات الاخبار سبّا وبالتصريحات  شتما وبالبيانات لعنا وبالمظاهرات عنفا.. والجميع ينتهك القانون والنظام ويهتك كرامات الناس ويهزّ الاستقرار، بل تصاعدت اصطفافا طائفيا ومذهبيا وانتخابيا ومناطقيا وحزبيا وشخصيا.. ربما تتفلت صغائر الامور نحو حرب اهلية.. فاين العقل والمنطق والتحضر؟

وهل يشجع واقعنا هذا احدا من المغتربين بالعودة او الاستثمار؟ وهل يشجع السائح الاجنبي للذهاب الى  لبنان؟