عباس ضاهر - خاص النشرة – الجمعة  02-02-2018:

لا يمكن مقاربة التهديد ال​اسرائيل​ي بمنع ​لبنان​ من الاستفادة من ثرواته الطبيعية من دون استحضار الاستنفار الاسرائيلي الشامل. تل أبيب قررت عدم السماح بأي تسوية في ​سوريا​


في حال عدم استفادة الاسرائيليين منها. هي تريد ثمنا باهظا، يضمن لها أمنا دائما برعاية دولية. لا تكتفي تل أبيب بالاجراءات الاميركية حول القدس "عاصمة لاسرائيل"، بل تسعى لفرض اتفاقيات تحقق لها الأمن البحري. تلك أولوية اسرائيلية يفرضها حجم الواردات اليها عبر البحر، وملف الثروات الطبيعية شرق المتوسط. مؤشرات اسرائيلية بالجملة بانت دفعة واحدة ترفع عنوان الأمن البحري.

اكاديميا، برزت دعوات عن معهد الأمن القومي في تل أبيب تركز على ضرورة اطلاق مفاوضات دولية برعاية روسية–أميركية بشأن الأمن البحري في ​الشرق الأوسط​، تقود الى تفاهمات مع سوريا ولبنان. دراسات المعهد ذاته تعمّقت في مسألة "بناء الثقة البحرية" القائمة على فكرة منطقة منزوعة السلاح، وقد تقود الى حوار مفتوح حول تعاون أمني مشترك في الشرق الأوسط. تريد اسرائيل طمأنة الشركات الدولية لاستخراج الغاز من بحرها من دون عوائق ومخاوف من نزاعات مسلحة بين اسرائيل والمقاومتين الفلسطينية واللبنانية. في حال الحرب، ستكون المنصّات في عرض البحر هدفا سهلا لصواريخ المقاومة.

سياسيا، تحرك رئيس الحكومة الاسرائيلية ​بنيامين نتانياهو​ الى موسكو بشكل عاجل، لمنع فرض اتفاق في سوريا يرسّخ النفوذ ال​ايران​ي فيها. تلك الزيارة المفاجئة تأتي من ضمن لقاءات عدّة اجراها الروس والاسرائيليين بشأن سوريا ولبنان. تطالب تل ابيب بثمن أمني مقابل السماح بالتسوية حول سوريا. لم تعد تعتمد على الاميركيين وحدهم. هي تدرك أن ​روسيا​ قادرة على تحقيق مطالب اسرائيل بضمان أمن الحدود البرية والأمن البحري. يأتي رفع سقف الخطاب السياسي والتحذير من "جعل سوريا أكبر قاعدة عسكرية ايرانية في العالم"، لتجييش الرأي العام الغربي، والدخول في مفاوضات فرض المصلحة الاسرائيلية. بالمقابل، تتجاهل ايران بالكامل المطالب الاسرائيلية، ما يزيد من حجم التهديد المستقبلي لتل أبيب. يعتقد الايرانيون هنا أن اسرائيل فعلت أقصى ما بوسعها، وفشلت في رهاناتها السورية، وبالتالي لا يجب أن تحقق أي مكسب لا سياسي ولا أمني بعد خسارة أدواتها في الحرب السورية.

أمنيا، جاء ادّعاء وزير الامن الاسرائيلي ​أفيغدور ليبرمان​ حول ملف الغاز البحري في السياق ذاته، لمنع لبنان من استثمار حقوله قبل فرض اسرائيل أمنها البحري. لا تخفي تل أبيب نيتها بالسعي الى السطو على غاز لبنان تحت حجة "حقول متنازع عليها"، لكن تصريح ليبرمان كان يصبّ في اطار التهديد للشركات الدوليّة لمنع التنقيب في بحر لبنان، بعد أيام من توقيع الائتلاف الدولي( توتال الفرنسية، نوفاك الروسية، اني الايطالية) على عقد الترخيص الذي يسمح ببدء التنقيب في البلوكين 4 و9.

التهديد الاسرائيلي يستكمل ما تقوم به تل ابيب في بناء "جدار الفصل" برا، بشكل يؤكد الاستفزاز للدولة اللبنانية، نتيجة الاصرار الاسرائيلي على الاطاحة بالنقاط المتحفظ عليها لبنانيا على طول الحدود الجنوبية. كله يجري في ظل حملة ضغوط اسرائيلية على "​حزب الله​"، تبدأ بمطالبة المجتمع الدولي بالضغط على الحزب ودفع العقوبات المالية عليه الى حيز التنفيذ، مرورا بالتصريحات السياسية اليومية، والتسريبات العسكرية المقصودة عن اطلاّع تل ابيب على مخازن السلاح في الجنوب اللبناني، الى حد نشر الناطق العسكري الاسرائيلي البيان التصعيدي بحق لبنان، ختمه بالقول: ستكون سنة 2018 سنة امتحان للكيان اللبناني، فهل الجمهور الدولي ولبنان سيسمحان لايران وحزب الله باقامة مصنع صواريخ دقيقة وتحويل الدولة بشكل رسمي الى دولة برعاية ايرانية؟.

هذا التصعيد المدروس لا يعني قدرة اسرائيل على شن الحرب على لبنان. لكنه يشكل عنصرا ضاغطا للتهويل على اللبنانيين، وتخويفهم من انتخاب حزب الله وحلفائه في الاستحقاق النيابي. لكن الهدف الفعلي لاسرائيل فرض اتفاق امني برعاية روسية–أميركية، والاستفادة من اجواء التسويات التي تجري حول سوريا.